محمد أحمد خلف الله
164
الفن القصصي في القرآن الكريم
( أ ) قال اللّه تعالى وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ « 1 » . وهو قول يخاطب به القرآن المعاصرين للنبي عليه السلام من أهل الكتاب ويذكر نعمه عليهم وفضله الذي أسبغه فيما مضى لكنا نلحظ أنه لم يأت بالصيغ التي تدل على هذه الحقيقة من حيث الزمان فهو يعرض عن الماضي الذي يصوّر ما حدث لأجدادهم في زمن موسى وقبله ويصوّر هذا الحدث بالصيغة التي تدل على الحضور والمشاهدة وكأن الأمر يقع بهم لا بأجدادهم وكأنه يقع بهم الآن . إنما يفسّر هذا الصنيع ما نعرفه من العناية الأدبية التي يرمي إليها القرآن والتي هي سر إعجازه والتي تعنى بالتأثير على النفوس فيخرج الكلام وقد ساده ذلك المنطق الذي نسميه بمنطق العاطفة والوجدان . إن الأسرار التي من أجلها ذكر القرآن هذه النعم التي تفضل اللّه بها فيما مضى على اليهود وأهل الكتاب هي أن يرقق قلوبهم ويصرفهم إلى الإيمان بمحمد عليه السلام وأنه من أجل هذا أعرض عن الصيغة الدالة على الحدث والزمان إلى صيغة أخرى تضع المسألة بين أيديهم وتعرضها على أبصارهم بما فيها من حيوية فنية هي تلك الحيوية التي يعبر عنها في الأدب بالتصوير بالحركات والإشارات . إن هذه الصورة أقدر على تحريك القلوب وأكثر استثارة للعاطفة والوجدان ، إنها الصورة التي تبعث في أنفسهم الخشية والخضوع المحبب للواحد الديان . ( ب ) قال تعالى وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ * وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ « 2 » .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية 49 . ( 2 ) سورة إبراهيم ، الآيتان 21 - 22 .